ابن خلدون

221

رحلة ابن خلدون

وانتخاب أنجاده ، فصلينا بنفسنا ناره ، وزاحمنا عليه الشهداء نصابر أواره « 890 » ونلقى بالجوارح العزيزة سهامه المسمومة ، وجلامده الملمومة « 891 » وأحجاره ، حتى فرعنا « 892 » بحول من لا حول ولا قوة إلا به - أبراجه المنيعة وأسواره ، وكففنا عن البلاد والعباد أضراره ، بعد أن استضفنا إليه حصن السّهلة جاره ؛ ورحلنا عنه بعد أن شحنّاه رابطة وحامية ، وأزوادا نامية ، وعملنا بيدنا في رمّ ما ثلم القتال ، وبقر من بطون مسابقة الرجال ، واقتدينا بنبينا - صلوات الله عليه وسلامه - في الخندق « 893 » لما حمى ذلك المجال ، ووقع الارتجاز المنقول حديثه والارتجال ، « 894 » وما كان ليقرّ للإسلام مع تركه القرار ، وقد كتب الجوار ، وتداعى الدّعرة « 895 » وتعاوى الشّرار . « 896 » وقد كنّا أغرينا من بالجهة الغربية من المسلمين بمدينة برغه التي سدّت بين القاعدتين رندة ومالقة الطّريق ، وألبست ذلّ الفراق ذلك الفريق ، ومنعتهما أن يسيغا الرّيق ، فلا سبيل إلى الإلمام ، لطيف المنام ، إلا في الأحلام ، ولا رسالة إلا في أجنحة هدل « 897 » الحمام ، فيسّر الله فتحها ، وعجّل منحها ، بعد حرب انبتّت فيها

--> ( 890 ) الأوار ( بالضم ) : حرارة النار ، والشمس ، والعطش . ( 891 ) جلامدة ، جمع جلمد ؛ وهو الصخر . والملمومة : المستديرة الصلبة . ( 892 ) فرعنا : علونا ، ويجوز أن يكون المعنى « فرعنا : فتحنا » ، من افترع بمعنى افتضّ . ( 893 ) كانت غزوة الخندق في السنة الخامسة من الهجرة . وانظر الروض الأنف 3 / 187 الطبري 3 / 43 . ( 894 ) نقل السّهيلي في الروض الأنف عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتجز يوم الخندق فيقول : * بسم الإله وبه بدينا * * ولو عبدنا غيره شقينا * * فحبّذا ربا وحب دينا * وانظر سيرة ابن هشام 3 / 227 ، 228 . وفي أحكام القرآن لابن العربي المعافري 2 / 192 - 195 بحث قيّم في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال شعرا أو لم يقله . ( 895 ) رجل داعر ( بالمهملة ) : يسرق ، ويزني ، ويؤذي الناس ؛ والجمع دعرة . ( 896 ) تعاوت الشرار : تجمعت للفتنة ؛ وتعاووا عليه : تعاونوا وتساعدوا . ( 897 ) الهديل : ذكر الحمام . والجمع هدل ، كسرير وسرر .